يا له من إله كريم ورب رحيم يتفقد عباده في كل حين، يتودد إليهم، يفتح لهم أبواب رحمته وكنوز مغفرته؛ نِعَمُه تترى ونعماته الكبرى لا تغيب ولا تفنى؛ فإذا مضت كلمع البرق أيام وليالي شهر رمضان المبارك ببركاتها وخيراتها وكاد البعض يعصره الحزن ويلفه الألم لفوات شهره بتقصير وتفريط؛ فما هي إلا أيام قلائل ويُفتح باب أوسع وموسم أرحب تغمر سحابات الفضل والإحسان ما بين السماء والأرض.
ومن كل فج عميق تتجه القلوب إلى بارئها وتلهج الألسن باسمه وتغسل دموع التوبة أدران المعصية وركام الغفلة فإذا الكل يعج وإليه يلبي: لبيك اللهم لبيك.. لبيك لا شريك لك لبيك.. إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك.. توحيد وإخلاص وإقبال وأوبة وعهد جديد بتوبة نصوح! أمل يتجدد بالقبول عند ربه والسعادة في كنفه والأنس بقربه، وتعود الثقة بالنفوس أنّ باب الله لا يغلق، وخيره وفضله لا يعدم، والفوز برضاه ممكن، وأن تعود كيوم ولدتك أمك أبيض القلب مثل الصفا قريب المنال بإخلاصك له وتعلقك به وثقتك فيه بتوفيقه لك؛ وبذلك تكون بإذن الله من المقربين، أو تكون من أصحاب اليمين، وفي كل فوز عظيم تفيض عليك نعمه ورضاه؛ لأنك أفضت من عرفات إيماناً واحتساباً؛ فالجزاء من جنس العمل. وعندما أفضت من عرفات وفاضت عيناك بالبكاء توبة وخشية، أفاض عليك إحسانه ورضوانه سبحانه، فكنت أنت الفائز؛ لأنك عملت القليل ونلت الكثير. وهذه بعض من فيوض رحمته وثمرات عبوديته لن تجدها عند ملك مقرب أو نبي مرسل أو ولي صالح أو عظيم مبجل أو حاكم مسلط؛ فلله وحده تتجه القلوب وتصفو النفوس كعشية يوم عرفة، حيث تظهر سمات العبودية الخالصة في ضيوفه الذين وفدوا إليه بقلوبهم ونفوسهم وعيونهم ودموعهم طرحوا على بابه آمالهم وأظهروا لديه ذلاً وفقراً وإخلاصاً نالوا به الأمن؛ لأنهم أكثروا الذكر (الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب).
وهناك في عرفات القادم بإذن الله الملتقى لنرشف عطر المغفرة ونذوق طعم الخشية، وننعم بإذن الله ببشارات السعادة والقبول والفوز بالجنة ورضوان الله الأكبر.. فيا له من مشهد عظيم كتب الله أخي الحبيب لنا ولك حضوره والفوز فيه. فيا له من فيض رب كريم في يوم كبير؛ فإن كنت من الملبين فأبشر، وإن كنت من الصائمين فأبشر، وإن كنت من الراغبين المعتذرين فأبشر. ولا تكن غير ذلك رحمني الله وإياك... فهيا لنشهد لنفوز ونسعد.
وبالله التوفيق وصلى الله على نبينا محمد